زكريا القزويني
16
آثار البلاد واخبار العباد
الذهب والفضّة والمساكن التي تجري من تحتها الأنهار ، والغرف التي فوقها غرف ، قال : إني متّخذ في الأرض مدينة على صفة الجنّة ، فوكل بذلك مائة رجل من وكلائه ، تحت يد كلّ وكيل ألف من الأعوان ، وأمرهم أن يطلبوا أفضل فلاة من أرض اليمن ، ويختاروا أطيبها تربة . ومكّنهم من الأموال ومثّل لهم كيفيّة بنائها ، وكتب إلى عمّاله في سائر البلدان أن يجمعوا جميع ما في بلادهم من الذهب والفضّة والجواهر ؛ فجمعوا منها صبرا مثل الجبال ، فأمر باتّخاذ اللبن من الذهب والفضّة ، وبنى المدينة بها ، وأمر أن يفضّض حيطانها بجواهر الدرّ والياقوت والزبرجد ، وجعل فيها غرفا فوقها غرف ، أساطينها من الزبرجد والجزع والياقوت . ثمّ أجرى إليها نهرا ساقه إليها من أربعين فرسخا تحت الأرض فظهر في المدينة ، فأجرى من ذلك النهر سواقي في السكك والشوارع ، وأمر بحافتي النهر والسواقي فطليت بالذهب الأحمر ، وجعل حصاه أنواع الجواهر الأحمر والأصفر والأخضر ، ونصب على حافتي النهر والسواقي أشجارا من الذهب ، وجعل ثمارها من الجواهر واليواقيت . وجعل طول المدينة اثني عشر فرسخا وعرضها مثل ذلك ، وصيّر سورها عاليا مشرفا ، وبنى فيها ثلاثمائة ألف قصر ، مفضّضا بواطنها وظواهرها بأصناف الجواهر . ثمّ بنى لنفسه على شاطىء ذلك النهر قصرا منيفا عاليا ، يشرف على تلك القصور كلّها ، وجعل بابه يشرع إلى واد رحيب ، ونصب عليه مصراعين من ذهب مفضّض بأنواع اليواقيت . وجعل ارتفاع البيوت والسور ثلاثمائة ذراع . وجعل تراب المدينة من المسك والزعفران . وجعل خارج المدينة مائة ألف منظرة أيضا من الذهب والفضّة لينزلها جنوده . ومكث في بنائها خمسمائة عام ، فبعث اللّه تعالى إليه هودا النبي ، عليه السلام ، فدعاه إلى اللّه تعالى ، فتمادى في الكفر والطغيان . وكان إذ ذاك تمّ ملكه سبعمائة سنة ، فأنذره هود بعذاب اللّه تعالى وخوّفه بزوال ملكه ، فلم يرتدع عمّا كان